السيد عبد الأعلى السبزواري
143
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
عبارة عن خصوص الاعتقاد والتوحيد في مقابل الشرك ، فالأمر أوضح . ويستفاد من سياق الآية المباركة الحصر ، فتدلّ على أن كلّ دين من اللّه واحد لا اختلاف فيه ، وأنه حق وأن غيره باطل ، وأن فيه الاختلاف - كما تقدم - وهو يشمل جميع الشرائع والأديان أصلا وعكسا ، وقد دلّت على ذلك الأدلّة العقليّة والنقليّة ، قال تعالى : مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً [ سورة الحج ، الآية : 78 ] . والآية الشريفة دستور إلهي ، تدلّ على تصحيح الاعتقاد والعمل حسب ما يرتضيه اللّه تعالى ، كما تدلّ بالملازمة على نفي الشرك بجميع أنواعه ، وأن غير الإسلام والطاعة له عزّ وجلّ باطل غير مرضي له تعالى ولا أثر له ، وهو لا ينفع الناس في دنياهم وآخرتهم . ثم إن هذه الآية الشريفة كالتوطئة لما سيأتي من الآيات اللاحقة ، التي يذكر فيها المعاندون والمشركون والكافرون ، فإن كلّ أمر يكون مخالفا لما شهد به الحقّ بالحقّ والملائكة وأولوا العلم ، يكون باطلا ، سواء كان في نظام التكوين أم التشريع ، ويكون مغالطة ولجاجا وزخرفا . قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . بغيا : منصوب إما على أنه مفعول لأجله ، أو على الحال من الذين ، والمراد من الذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى ، أي : وما كان اختلاف أهل الكتاب في دينهم الحقّ - الذي بيّنه اللّه تعالى لهم على لسان أنبيائه ورسله - إلى مذاهب وأهواء - مع أن دين اللّه واحد لا اختلاف فيه - إلّا بعد علمهم بحقيقة الدين والحقّ المبين من بعد ما رأوا الآيات الواضحة والدلائل الجليّة . وهذا الاختلاف لم يكن عن عذر ، بل كان عن بغي وظلم بينهم ، فتمرّدوا على الحقّ وحرّفوا الكتاب وأوّلوه ، فكان أن بغى المنحرفون على المؤمنين الموحدين وتجاوز الرؤساء الحدود ونصروا مذهبا على مذهب ، وضلّلوا من